قانون الأراضي السلالية يسبب أقوى احتجاج ضد وزارة الداخلية
الإقامة مفهوم غامض ومعقد
تنص المادة الأولى من مرسوم وزارة الداخلية تحت الرقم 2.19.973 والمتعلق
بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية، على ثلاثة شروط للاستفادة من
الأراضي الجماعية، أولها الانتساب للجماعة، وبلوغ سن الرشد القانونية، ثم
الإقامة بالمنطقة، حيث طرح هذا المرسوم إشكالية كبيرة لدى الرأي العام،
ودفع بعض الفعاليات الجمعوية والحقوقية إلى المطالبة بتوضيح مسألة
“الإقامة”، وحذفها تفاديا لحصول مشاكل اجتماعية بسبب إقصاء الآلاف من ذوي
الحقوق الذين تربطهم جذور تاريخية مع الجماعة السلالية.
فمفهوم
الإقامة في القانون الجديد، غامض ويتنافى مع الخطاب الملكي السامي في
البرلمان خلال افتتاح الدورة التشريعية في أكتوبر 2018، الذي أنصف فيه
الملك ذوي الحقوق من السلاليات والسلاليين، وساوى بين المرأة والرجل في
الاستفادة من أراضي الجماعات السلالية، وفسح المجال أمام المواطنين الذين
يقطنون في المدن الكبيرة والصغيرة للتسجيل في اللوائح السلالية الخاصة بذوي
الحقوق.
لهذا، فقد خلق مفهوم
الإقامة جدلا واسعا بين السلاليين وبين النواب وذوي الحقوق والسلطات
المحلية، لأن هناك بعض الجهات سوف تستغل هذه المسألة حرفيا وسطحيا، للتشطيب
على المسجلين في اللوائح أو إقصاء المستفيدين من الأراضي لأسباب وحسابات
شخصية، بينما رفضت غالبية سكان الأراضي السلالية هذا المفهوم، لأنه سيحرم
أقرباءهم وأبناءهم العاملين في المدن أو خارج أرض الوطن من الاستفادة من
أراضي آبائهم وأجدادهم.
وفي هذا
السياق، يقول أحمد كنون، رئيس الهيئة الوطنية للجماعات السلالية،أن المرسوم
التنظيمي الذي يتضمن الإقامة فاجأهم، فبالنسبة إليهم، لا يجب أن تكون
الإقامة الفعلية دائمة، مبرزا أنهم طالبوا بعدم التطبيق الحرفي واللغوي
لهذا المفهوم، الذي سيتم استغلاله من قبل بعض النواب وبعض السلطات الذين
سيحاولون تصفية حساباتهم بإقصاء عدد من السلاليات والسلاليين في مقدمتهم
أفراد الجالية المغربية بالخارج.
وأوضح
كنون، أن أزيد من 90 في المائة من السلاليين غير متواجدين في عين المكان،
وبالتالي، فمسألة الإقامة لا يجب أن تعتمد، لأنها أعطت الفرصة لبعض النواب
الأقلية لإقصاء من يريدون، مضيفاأن “النواب يتحملون المسؤولية في الإحصاء
ويعلمون السلالي من غير السلالي، وبالتالي، أقول أننا كنواب لأراضي الجموع،
وإذا تحملنا المسؤولية وليس حبا في المقاعد، سوف نتجاوز منطق الإقصاء
لنتفادى المشاكل، إذا تجرأت بعض الجهات على التطبيق الحرفي واللغوي لمفهوم
الإقامة”.
حرمان المرأة السلالية من حقوقها
يأتي شرط الإقامة في الأراضي السلالية ليتنافى كليا مع القانون رقم
62.17 الذي اعترف بحق المرأة في الانتماء والاستفادة من الأراضي السلالية،
حيث تؤكد المادة رقم 6 من هذا القانون، أنه ((يتمتع أعضاء الجماعات
السلالية، ذكورا وإناثا، بحق الانتفاع بأملاك الجماعة التي ينتمون إليها،
وفق التوزيع الذي تقوم به جماعة النواب، ولا يخول لهم هذا الانتفاع إلا
الاستغلال الشخصي والمباشر للأملاك المذكورة))، كما تفيد المادة 9 من نفس
القانون، أن من حق المرأة أن تكون نائبة في الجماعة السلالية، إذ ((تختار
الجماعة السلالية من بين أعضائها المتمتعين بحقوقهم المدنية، ذكورا وإناثا،
نوابا عنهم يكونون جماعة النواب من أجل تمثيل الجماعة السلالية))، أما
المادة 16، فتؤكد على ((حقوق النساء في الاستفادة والانتفاع بأراضي الجماعة
السلالية وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي)).
في
هذا السياق، تقول إحدى النساء السلاليات بمنطقة الغرب، أن المرأة السلالية
حصلت على حقها في الانتماء للجماعة السلالية، وانتزعت حقها بالنضال
وباعتراف الجميع، مضيفة أن مشكل الإقامة أثار ضجة كبيرة، لأنه نسف الحق
المكتسب الذي حصلت عليه النساء السلاليات، لاسيما أن الزواج حتم عليهم
مغادرة الجماعة السلالية والانتقال إلى بيت الزوجية، ومن جانبه، يرى أحمد
كنون، أن القانون رقم 17-62 واضح والحديث عن حق النساء محسوم فيه، لكون
المرأة خرجت بحكم زواجها وغادرت الجماعة السلالية لبيت الزوجية وهذه سنة
الحياة.
عريضة وطنية ترفض الإقامة
تقوم مجموعة من الفعاليات النسائية بمبادرة من أجل جمع توقيعات في عريضة
المواطنة، للمطالبة بمراجعة المرسوم المذكور وحذف بند المادة الأولى
المتعلق بشرط الإقامة بالجماعة السلالية لاكتساب صفة العضوية.
وتهدف
هذه المبادرة إلى دعوة وزارة الداخلية لمراجعة المرسوم رقم 2.19.973
المتعلق بتطبيق أحكام القانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على
الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، من خلال حذف معيار الإقامة بالجماعة
السلالية كشرط محدد لمنح الأفراد صفة عضو بالجماعة، حيث ترى الجهة المشرفة
على جمع العريضة، أن بند الإقامة يظلم السلاليات والسلاليين غير المقيمين
بالجماعات السلالية، سواء داخل الوطن أو خارجه، ولتقنين حرمانهم من
الانتفاع من الأراضي ضدا على مبادئ الدستور والتعليمات الملكية السامية.
ولقيت
المبادرة تجاوبا من المواطنين والمواطنات الذين عبروا عن دعمهم لهذه
العريضة، التي ستقدم إلى رئيس الحكومة قصد مراجعة شرط الإقامة، وذلك في
إطار تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في الدستور،
ومقتضيات القانون التنظيمي المحدد لشروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم
العرائض إلى السلطات العمومية.
تشييد مشاريع وحرمان ذوي الحقوق
تعرف عدة مناطق ظاهرة التحكم في أراضي الجموع من قبل بعض مسؤولي
الجماعات وبعض رجال السلطة، عبر الضغط على النواب السلاليين، بهدف تفويت
مساحات من الأراضي لصالح منعشين عقارين أو شركات أو مؤسسات عمومية، الشيء
الذي يحرم مئات السلاليين من الانتفاع من أراضيهم، بعدما يتم تفويتها
لإنجاز مشاريع.
ومن بين المناطق التي
تعرف تشييد مشاريع سكنية، أراضي الجماعة السلالية لأولاد صالح وللنواصر
قرب مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، حيث تم تشييد مشاريع سكنية
وفيلات،بعد تفويت هكتارات من أراضي الجموع إلى شركات ومؤسسات عمومية بأثمنة
رمزية، رغم ارتفاع القيمة المالية للأرض بضواحي الدار البيضاء، كما تم
تفويت أراضي سلالية بمنطقة بوقنادل قرب مدينة سلا، لشركة عقارية كبيرة بثمن
رمزي، وتحويل أرض سلالية بجهة القنيطرة إلى بقع أرضية.
يرى
أحد الأشخاص من ذوي الحقوق رفض الكشف عن هويته، أن الكثير من السلاليين لا
يستفيدون من أرضهم المتواجدة في المجال الحضري بالرغم من الانتماء، حيث
تصبح تلك الأراضي الواقعة قرب المدن هدفا للمنعشين العقاريين وبعض رجال
السلطة الذين يستغلون ضعف وجهل بعض النواب السلاليين بالقوانين، لكراء
الأراضي أو تفويتها إلى شركات لإنجاز مشاريع عقارية دون أن يستفيد أبناء
الجماعة السلالية، ويؤكد أن الكثير من ذوي الحقوق يقطنون في المدينة بعيدا
عن الأرض السلالية، لأسباب مهنية واجتماعية، مشيرا إلى أن شرط الإقامة سوف
يفسح المجال للترامي على الأراضي بعد إقصاء فئة عريضة من ذوي الحقوق.
وفي
نفس السياق، اعتبر الحقوقي إدريس السدراوي، أن قرار الإقامة كشرط للتسجيل
في لوائح ذوي الحقوق، هو أولا بث للفتنة والتفرقة بين أفراد الجماعات
السلالية، وثانيا، قرار عشوائي ومتخبط.
وأضاف
أن مسألة الإقامة، ستسبب حيفا كبيرا لفئة عريضة من المنتمين للجماعات
السلالية، الذين يشتغلون في سلك الجندية والأمن وفي مناصب مختلفة،
ومطالبتهم بالإقامة رغم أنها مسألة غير مرتبطة بهم، ولكنها مرتبطة بطبيعة
العمل الذي يمارسونه، مشددا على ضرورة أن تتسم الأحكام والقوانين والمذكرات
بالوضوح والتفصيل.
ودعا إلى إلغاء
هذه المذكرة، لأنها ستبث مزيدا من الخلاف والاحتجاج، خاصة وأن أغلبية
النواب السلاليين متورطون في قضايا تفويت الأراضي، وسوف يستغلون مسألة
الإقامة، للتحكم في رقاب ذوي الحقوق وإقصاء من يريدون.
إشكالية الإقامة والنواب
تطرح الإقامة إشكالية كبيرة على عاتق النواب السلاليين، الذين تربطهم
علاقات مع ذوي الحقوق سواء القاطنين داخل تراب الجماعة القروية أو الذين
يقطنون في المدينة أو الخارج بحكم عملهم، حيث سيكون جل النواب أمام مسؤولية
كبيرة للحفاظ على أسماء ذوي الحقوق الذين تم تسجيلهم سابقا، لاسيما الذين
لهم ارتباط وثيق بالجماعة السلالية.
في
هذا الإطار، يرى رئيس الهيئة الوطنية للجماعات السلالية،أن تترك وزارة
الداخلية الصلاحية للنواب السلاليين، لأنهم يعرفون الشخص المنتمي للقبيلة
وغير المنتمي، مع عدم فسح المجال أمام الجميع لكي يدخل في لوائح السلاليين،
مشيرا إلى أن هناك من يقطن بعيدا لكنه مرتبط بالجماعة ويقوم باستغلال أرضه
ويتواصل مع عائلته، كما يساهم في مصاريف الجماعة السلالية، داعيا النواب
للتسلح بالإرادة وإعطاء هذا الورش الملكي الذي أوصى به الملك، التركيز
الكامل، والتحلي بالمواطنة وروح التنمية وتحمل المسؤولية، بهدف جعل
العقارات قوة رافعة للتنمية قصد تجاوز مفهوم الإقامة الذي تريد بعض الجهات
استغلاله لإقصاء وحرمان سلاليات وسلاليين من أراضيهم.
ويظل
بند الإقامة، العقبة التي تقف أمام السلاليين والسلاليات للاستفادة من
برنامج توزيع الأراضي، الذي تعتزم الحكومة تنفيذه في السنوات المقبلة، لكن
الطريقة التي تدبر بها وزارة الداخلية قطاع أراضي الجموع، يتطلب مراجعة
للقانون، وفسح المجال أمام ذوي الحقوق الذي وجدوا أنفسهم بدون حق، رغم أن
بعض الأراضي تقع في مناطق بعيدة ولا يقطن بها أحد.
ويختم
أحمد كنون قوله،بأن تطبيق مسألة الإقامة بالشكل الحرفي واللغوي، هي شرط
للاختباء وراء القانون وتهدف إلى الإقصاء، وأن الهيئة تقوم بحملة تحسيسية
لجميع الجهات من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ووزارتي الداخلية
والفلاحة، ومديرية الشؤون القروية، والفرق البرلمانية، حتى تتحمل كل جهة
مسؤوليتها، لأن السلاليات والسلاليين متواجدين في المناطق داخل المغرب
وخارجه، ويشكلون أزيد من 90 بالمائة من غير القاطنين بعين المكان.
0 تعليقات